| يا درّةَ الأرض.. "ملحمة الملك عبد العزيز" طارق عبد السلام كرمان |
| الحمدُ للهِ ربِّ البيتِ، حاميها مُؤتي قِراها ومُؤوي مستضيفيها والمصطفيها بتقديسٍ وتكرمةٍ والجاعلِ الناسَ إن أمُّوه أمُّوها أزكى البيوتِ.. حجيجُ الله تقصدها وأشرف الناس ساقوهم وكاسوها وهل كخدمة بيتِ الله من شرفٍ وكالسقاية للأحساب تنزيها؟! كلاّ.. ولا وضعَ الرحمن كعبتَه إلا بأيدِيْ كِرامٍ، مستحقيها حَمَوا حماها وكانوا أهل رفعتها وأكرموا كلَّ ثاوٍ ناسكٍ فيها آلِ السعود.. وحدِّث عن مكارمِهم وأدركنْ أنْ ستعيى قبلَ تحصيها * * * * * * * حيِّ الحبيبةَ أرضَ السعدِ.. لا شقِيَت ولا أبَتْ ذاتُ وَدقٍ أن تحيّيهاوقل لها إن هذا المستهامَ بها مُكَلّفُ البَوحِ عن قومٍ محبيها فكيف أسطيع أحكي لوعةً بِهِمُ وبي أنا لوعةٌ ما اسْطعتُ أحكيها يا دُرّةَ الأرضِ، يا دارَ السلامِ.. عِمِي أمناً وصلّي تحيّاتٍ نصليها إنّا عشقناكِ.. لا زُلفى، ولا رَغَباً وإنّ حُبَّ ديارٍ حُبُّ أهليها وقد جعلتُ إليك الشوقَ راحلتي فحلّقَتْ بي ونايُ الوَجدِ يحدوها وجئتُ من بلدي أهفو _ أيا بلدي _ بهذه القُبَلِ اللهفى فضُمّيها * * * * * * * ماذا أحدث عن أرضٍ مباركةٍ ملائكُ اللهِ قبلَ الجُندِ تحميهاهي السعوديُّةُ العُظمى.. فليْتَ لنا من البلاغةِ علماً كيف نوفيها وليت للشِعرِ سلطاناً يتيحُ لنا حَبْكَ النجومِ بأبياتٍ فنطريها وإنّ "لبّيكَ" في أرجائِها شهدت أنْ ليس في الأرضِ من أخرى تضاهيها فحسبُها منزلُ الحُجّاجِ منزلةً وصوتُ تسبيحهم لله يكفيها فيها العروبة في أسمى مبادئها وشرعة الله في أزهى تجلّيها فيها تنزلت الآيات مُحكمةً على رسول الهدى من روح موحيها فأشرقت في دجى الإشراك شرعته تهدي البرايا إلى توحيد باريها وقَبلهُ جاءها ابراهيم مبتهلاً لربه داعياً إياه يغنيها ولا تزال إلى ذا اليومِ دَعوته بالخير والبركات الطرّ تسقيها ومثلما أن بئر الزمزمِ انفجرت ماءً.. تفجرن خيراتٍ صحاريها فطال بنيانها حتى كأنْ نُحتت فيها الرواسي لكي ترسو مبانيها ومن عجائبها ذا البحر كيف غدا رغْمَ الأُجاجِ الذي يحويه يرويها؟! وفوقَه "جسرُ فهدٍ" لو ركبتَ به ظننتَه الفُلْكَ تجري من موانيها! وهاهي اليوم في ذكرى تَوحُّدِها وبعدَ سبعين عاماً من تعاليها تزهو بسبعِ عقودٍ فوق غُرّتها وحُلّةٍ من نسيجِ العِزِّ تكسوها * * * * * * * فويحُ شِعري وويحي إن غفلتُ به في مثل ذا اليوم عن ذكرى لبانيهاعبدِ العزيزِ الذي لو شئتُ أُنصفُهُ في القولِ لم تكفِني الفُصحى معانيها ذاك الفتى الجالبُ الأمجادَ مكرهةً ما لم تُطعْه سِراعاً حين يدعوها ذو الهمةِ المقلقِ الأيامَ مطلبُها منذ الطفولة والمضني لياليها والمبتلي للبلايا الموبقاتِ فلا تنفكُّ تدميه أو ينفك يُدميها والبادئُ السعيَ بالأخلاق يبذلها والمشهرُ السيفَ إن خابت مساعيها ولو تجرّدَ من حِلمٍ ومن خُلُقٍ لأخضعَ الأرضَ قاصيها ودانيها فتىً.. مراهقةُ العشرين أرهقها متيماً هائماً في المجدِ مشدوها أبَتْ سجاياه إلا أن يكون له ملْكٌ على الأرض؛ أو لا يقعدنْ فيها وحرّكتْ فيه نفْسَ الحُرِّ مُقْسمةً لَيَغصِبَنَّ لها غصباً أمانيها فثار فيه دمُ الأجدادِ يدفعه إلى بلادٍ همُ مُلاّكُ ماضيها بأربعين رجالاً.. غير أنّ لهم عزائماً تَسَعُ الدنيا وما فيها همْ أربعون؛ إذا مرّوا بمفجعةٍ بكتْ، وإن ركبوا الأشواكَ دمُّوها وقِلّةٌ تنحني شُمّ الحصونِ لهم كأنّ موجاً من الطوفانِ يطويها لهم نفوسٌ إذا هبّت لمكرمةٍ تجري الرياحُ وتعيى أن تجاريها سرَوْا إلى القصدِ أُسْداً في الفلاةِ.. فَلَمْ تجرؤْ فحيحاً ولا زحفاً أفاعيها أمّا الوحوشُ فلم تبرَحْ مخابئَها! إمّا يبِتن جياعاً أو؛ يصيدوها سبعاً لياليَ في البيداءِ ما لبِثوا مجلجلين كإعصارٍ، مثيريها مؤزِّرين فتى العشرين وهْوَ كَأنْ قضى القرونَ يديرُ الحربَ، يبلوها فجاء بلْدتَهُ ليلاً بنصفِهِمُ وخلْفَها نصفُهم قد ظلّ يرنوها فما أضاء الضحى إلا وقد خضعت له الرياضُ وردّ الحقَّ واليها فكان نصراً عزيزاً ظاهراً.. وكفى فلا أطيق لذاك النصرِ تشبيها * * * * * * * عبدَ العزيز.. حَبَاك الله نُصرتَه وسخّر الريحَ تجري حيث تبغيهالمّا اعتصمت به في ما تؤمّله لجمعِ دارِك من شتّى تنائيها سللتَ سيفَك للتوحيدِ تحمِلُه ورايةَ الحقِّ والتوحيدِ تعليها فلم تكُن طالبَ الدنيا وزُخرُفِها لكن لتمكينِ دينِ اللهِ تبغيها ما كنت تفرُغُ من نصرٍ بمعركةٍ إلا ونصرٌ بأُخرى بات يتلوها فلا الحجازُ اسْتحالتها يداك ولا جبالُ شمّرَ أضناك السُرى فيها وكُلّما ملّكتْكَ الحربُ موقِعةً مَلَكْتَ بالخُلُقِ المحمودِ أهليها فكنتَ تشفي صدوراً من ضغائنِها بالعفوِ.. ثم بفرْطِ الجُودِ ترضيها * * * * * * * طريق حُجاج بيتِ الله ما فرغت من قاطعين طغوا واستكبروا فيهاحتى غدا الحج ضرباً من مغامرةٍ وكاد يصبح بين الناسِ مكروها فناشدتك القلوبُ التائقات إلى فريضةِ الحجِ والأشواقُ تبليها وكان حقاً عليك الزحفُ يومئذٍ والتلبياتُ انْتظارٌ أن تُلبّيها فجِئتَ مكةَ.. لا سيفاً رفعتَ بها ولا أرقتَ دماءً في أراضيها بل جئتها مُحرماً لله معتمراً بحمدِه خاشعَ العينينِ باكيها وكان عزمُك فيها أن تحرّرها من كل خوفٍ وتحمي مستجيريها ثم اطمأنَّتْ.. فلا خوفٌ وقد أمِنَت من الذئاب شياةٌ غاب راعيها * * * * * * * روّضتَ بالحكمةِ الصحراءَ مؤتلفاً مِراسَها الصعبَ حتى لان قاسيهاوالبدوَ أسكنتهم فيها على هِجَرٍ قريرةٍ.. فاستقروا في مراعيها ورُحتَ في وجهة التوطيد مبتغياً للشمل جمعاً وللتوطين توجيها وللبلاد بناءً غيرَ ذي خللٍ على أساسٍ من التقوى يقوّيها وراح عدلُك بين الناس يخبرهم: أنْ لن يُضاموا بأرضٍ أنت قاضيها فبايعوك.. وقد مدَّتْ قلوبهمُ إليك _ قبل أياديهم _ أياديها حتى إذا اكتملَتْ أركانُ مملكةٍ ودولةٍ أنت بعد الله محييها أعلنتَ للناس من أرض الجزيرة عن مُلْكٍ أشمّ وأرسى من رواسيها * * * * * * * أخا الملاحم قد سطّرتَ من عَدَمٍ أسطورةً بَهَرَ التأريخَ راويهافأصلُها ثابتٌ والدين مبدؤها وفرعُها في سماء المجد يُرقيها كم كُنتَ تجمعُ أسباب الوصول إلى ركب التقدّمِ في صبرٍ وتقفوها ثم ارتحلتَ.. فما انفكّتْ أكُفّك عن قوافلِ المجدِ حتى اليومِ تهديها وصوتك المؤمن الصداح ما برِحت صَلاتُه في طريق الحق تحدوها فلن تحيدَ خُطاها عن طريقتِها حتى تحيدَ نجومٌ عن مجاريها * * * * * * * مضت صقورُك يا صقرَ الجزيرةِ في صيدِ المعالي ولم تخطئ مراميهاوذي بلادُك قد زادت بحكمتهم عزاً.. فما بات في عزٍ معادوها هم الدهاة إذا حلُّوا بمعضلةٍ والمثكلون الليالي في دواهيها والسائسون الرؤى، والقادرون على تيه السياسة إدراكاً وتتويها لا يحسِم الشرقُ أمراً دون رأيِهِمُ وإن رأَوْا في أمورِ العُرْبِ بتُّوها فلا سلامَ إذا اسْتُلَّتْ سيوفُهمُ ولا تدورُ الرحى حتى يديروها فانعَمْ بنومِك يا عبدَ العزيز، ولا تخَفْ على صَهَواتٍ كُنتَ تعلوها فما لخيلِك ما دامت فوارسُها من محضِ نسلِك أن تُحنى نواصيها * * * * * * * أزكى البيوتِ.. حجيجُ اللهِ تقصُدها وأشرفُ الناسِ ساقوهم وكاسوهافيا أولي الحرَمَينِ الأشرفَينِ ألا إن المكارم أحرى أن تتموها فإنّ للعزة الأُولى وعودتها لديكمُ اليوم أسباباً فمُدوها وإنّ آمالَنا فيكم مبشِّرةٌ ولا نظنُّكُمُ إلا مُحِقّيها فاسعوا إلى لمِّ شملِ القاعدين على أطرافِ محرقةٍ كلٌّ يُذكّيها النافخين قضاياهم وقد علموا أنْ لو أرادوا لها حلاَّ لحلُّوها ولْيحفظِ الله للإسلامِ دولتكم قويةً ولْيُجنِّبْ رُشدَها التيها ولا ابتلاها ولا أنتم بنازلةٍ ولا بوجهِ عدوٍّ في أراضيها * * * * * * * يا دُرَّةَ الأرضِ.. هاك اسْتقبلي دُرري وباقةً من جَنانِ القلبِ أهديهانظمتُها بوفاءِ الحُرِّ مُفعمةً تفوحُ حباً وعرفاناً قوافيها يا نسلَ أصحابِ طهَ.. لا أذكّركم وثيقةً صُهرت أنسابُنا فيها صرنا بها أخوةً في الله فهْي لنا أمٌّ وإنا وإياّكم لَبارّوها هي العقيدة، أحرى أن نلوذ بها من الشتات فتؤوينا ونؤويها كفى بها عروةً وثقى لتجمعنا وحسبنا من عهودٍ أن نوفّيها ثم الصلاةُ على العدنان سيّدنا ملءَ السماواتِ والأرضِين أسديها * * * * * * * |