مرثية الملك فهد

"رحمه الله"

للشاعر طارق كرمان

اضغط هنا لتنزيل الملف الصوتي

 

ftp://ftp@rawasy.com

لأفضل استماع استخدم ويندوز ميديا بلير، أو قم بإنزال البرنامج من موقع مايكروسوفت بالنقر فوق الصورة التالية.
ألا هل كفى حُزناً؟ وما الحزنُ كافيا
ولا الكسرُ مجبوراً ولا الصبرُ وافراً
ولا أحسب الأيامَ تُنسي بعَهدِها
برغمِ مساواةِ المنيّةِ بيننا
فما كل موتٍ للبريّة فاجعاً
وإن مات فهدٌ.. فالمصائب بعدهُ
لقد بلغَت منّا فجيعةُ خَطبِهِ
فأكبادنا ذابت أسىً لفراقِه
وجفّت مآقينا بُكاءاً، فلا أرى
وأمّا القلوبُ فهيَ رهنُ مواجعٍ
ولمّا نعى الديوانُ فهداً إلى الورى
فعيَّ لساني عن بيانٍ وعقّني
وغابَ ملاكُ الشعرِ عني تعذّراً
حلفتُ يمينَ اللهِ إلا أغاثني
وإلا _ وأيمُ اللهِ_ لا أقرَبَنَّهُ
وسائلةٍ ماذا دهاك، وقد رأت
وهل ساقتِ الأقدارُ للناس مرّةً
على فقد فهدٍ كل نعيٍ مقَصّرٌ
فيا ليت شعري هل أوفّي رثاءَهُ  
أيا راحلاً عنا بكل تواضعٍ
ويا تاركاً ذكراك بعدك حيّةً
يُواسَى أولو قُرباك من كل وجهةٍ
فمن لمحبّيك الأباعدِ مؤنسٌ
ألا كم مكانٍ كنتَ يا فهدُ ملئَهُ
وأهلٍ سوى الأهلِ الأُلى عشتَ بينهم
وأبناءَ لم يلقَوك، لكن أحاطهم
بفقدِك يا فهدُ أُصيبوا وأوصبوا
فكم قائلٍ منهم وأنت مشّيعٌ:
فِدىً لك يا هذا المُفدّى محبّةً
ولو أنها تُغري المنيّةَ فِديةٌ
إذا زال جسم النجمِ ظلّ شعاعُه
وما غاب من فهدٍ سوى جسمه الذي
وما جِسم فهدٍ منه إلا أقلّهُ
فإنّ له في العالمين صنائعاً
أياديَ إحسانٍ وفضلٍ أمدّها
ليُطعمَ جوعاناً ويؤويَ شارداً
ويكفُلَ ذا يُتمٍ تقطّع شملُهُ
وكم كان للهلكى معيناً مواسياً
وكم صرخةٍ للغوثِ نفّر نفسَه
فوفّى وكفّى حيث شحّوا وقصروا
فها هو بين الناس يمشي ثناؤهُ
وها هي ذي من بعدهِ مكرماتُه
سأنعي سجاياه التي زانتِ اسمَهُ
وقلباً رحيماً مطمئناً مسالماً
وصدراً رحيباً لو تمثّل حِلمُهُ  
وعقلاً حكيماً جَنّبَ العُربَ رأيُهُ
وعزماً وإخلاصاً رمى بهما المُنى
فصيّرَ ماءَ البحرِ عذباً لشعبهِ
لقد كان فهدُ الخيرِ صرحَ فضائلٍ
فلم ينسَ إنسانيّةً بعروبةٍ
بل اجتمعت تلك الخصال توسُّطاً       
ولو جُسّدت أخلاقُهُ يوم موتِهِ
لما قَدَرَتْ تلك الأكفّ احتمالَهُ
فما الطودُ محمولٌ ولو بات هامداً
ولكنّ نعشاَ آخراً ضمّ روحَهُ
تشيّعهُ فوق الأنام ملائكٌ
إلى حين واراه الثرى أهلُهُ.. مضَتْ
فضجّت على الأرض التعازي لفقدِهِ
وقيل سلاماً خادمَ الحرمين، قد
وبشراك، لا تحزنْ لدينا ولا تخَفْ
ولم تألُ في حملِ الأمانةِ هِمّةً
تقبّلَ منكَ الله كلّ صنيعةٍ
وحسبُكَ يا فهدُ مصاحفك التي
وأمددتها للمسلمين هديّةً
فها هيَ تُتلى في البلاد جميعِها
فإن يفنَ عنك اليوم مُلكٌ ورثتَهُ
وحيّاك فيه الله خير رعايةٍ
سقى الله فهداً بارداً من حنانه
وأكرم مثواه كما كان جاهداً
ووسّع قبراً في ثرى العَودِ ضمّه
عليه سلام اللهِ ما خَشَعَت بها
وما طوّف الحُجّاجُ فيها وما سعوا
وما انتقلوا بين المناسكِ فانتهوا
أيا كلَّ أهليه الكِرامِ وشعبِهِ
كفاكم عزاءاً فيهِ طيبُ حياتهِ
وذا المَلْكُ عبدُ الله من جاء بعدَهُ
ومِن جنْبهِ سلطانُ يعضدُ سعيَهُ
أيا ربّ سدد للرشادِ خُطاهما
وحقِّقْ لكلِّ المسلمينَ فيهما
وصلّ على خيرِ الأنامِ، وآتِه
ولا الدمعُ مكفوفاً ولا النعيُ وافيا
ولا الكتمُ مقدوراً ولا البوحُ شافيا
فقيداً كفهدٍ "لو أردنا تناسيا"
فلسنا نرى بين المنايا تساويا
وما كل خطبٍ يدهم الناسَ ضاريا
تهون علينا وقعةً وتداعيا
مدىً لا تعدّاه الخطوبُ تماديا
ولم تُبقِ ما نخشى عليهِ المآسيا    
لأحزانها من بعدُ إلا التباكيا
لجرحٍ عميقِ الجذرِ يأبى التعافيا
وأوشكَ بيتُ الله ينطقُ ناعيا
وعزَّ عليهِ وصفُ ما في جَنانيا
على أي بحرٍ سوف يُجري القوافيا؟..
وحرّكَ قبلَ الأربعينَ يراعيا  
إلى غَرَضٍ من بعدُ أو يصحبانيا
وجومي، فقلتُ ويكِ مما دهانيا
كموتِ الملوكِ الصالحين دواهيا؟
وكلُّ عزاءٍ قاصرٌ أن يواسيا
وكم أنقصَ المُلقون فيهِ المراثيا
كأنك قد فارقتنا لا مباليا
تعطّر آفاقاً وتُشجي نواديا
ويلقى السعوديون فيك التعازيا
ومن ذا يُعزّي فاقديك الأقاصيا؟
كبيتك، أضحى منك يا فهد خاليا
وشعبٍ سوى الشعب الذي كنتَ واليا
نداك بأفضالِ الأبوّة حانيا..
مدامعَ كادت أن تصير مداميا
فدىً لك أولادي ونفسي وماليا
ولكنّهُ لا يقبلُ الموتُ فاديا
لما أخذت يوماً كمثلِكَ غاليا
زماناً يجلّي للسراةِ الدياجيا
تحمّل أثقالاً تهدّ الرواسيا
ومعظمُهُ لا زال في الأرض باقيا
وإنّ له بين الأنام أياديا..
بكل بلادٍ رائحاتٍ غواديا
ويسقيَ ضمئاناً ويكسوَ عاريا
وطالبَ علمٍ غادر الدار نائيا
وكم كان للمرضى طبيباً مداويا
لها أولاً فاستنفر الناسُ ثانيا
وأعطى سخاءاً ثمّ أعطوا تساخيا
بأعظمَ ممّا كان في الأمس ماشيا
ملامحُهُ فيها تلوحُ كما هيا
وكانت لهُ تاجاً على التاجِ زاهيا
لو اقتسمته العُربُ راموا التآخيا
فسار بصحراءٍ لصارت مراعيا
بوائقَ لو حلّت لكانت قواضيا
فطوّع منهن ّ الصعاب العواصيا
وأسكنهم داراً من العِز راقيا
على القِيَمِ المثلى تأسس ناميا
ولم يكُ بالدنيا عن الدين لاهيا
لديه ولم يُُحدث بهنّ تنافيا   
فحوّطتِ الأكفانُ منه المعانيا
وما كان ذاك النعشُ إياه حاويا
ولا البحر موسوعٌ ولو بات ساجيا
وجوهرَهُ السامي، وسار مُباهيا
تجوب به فوق الدروب مراقيا
تواريه في دار الكرامةِ عاليا
وضجّت بلُقياه السماءُ تهانيا
ربحتَ بما قدّمتَ لليوم شاريا
فما كنتَ في الدنيا بحكمِكَ طاغيا
لخدمة دين الله أو تكُ وانيا
ختمتَ بها تدعو :"تقبلْ إلهيا"
ملأتَ بها الدنيا قَصيّاً ودانيا
وترجمتَها بين الأعاجم هاديا
وأجرُكَ فيها لم يزل لك جاريا
فقد نلتَ مُلكاً لا يورّثُ فانيا
جزاءً بما قد كنتَ للدين راعيا
كما كان للحُجّاجِ في البيت ساقيا
ليكرمَ فيها للضيوف المثاويا
كما مدّ ساحات لها ومبانيا
صلاةٌ وما دوّى الأذان مناديا  
ونادَوا بـ"لبّيكَ" ومدّوا الأياديا
على عرفاتٍ ثم ساقوا الأضاحيا
إذا لم تطيبوا أنفساً بعزائيا
وحُسنُ ختامٍ قد تلقّاه راضيا
ليكمل في درب الصعود المساعيا
بمثلهِما أكرِم وليّاً وواليا
وكن لهما ذُخراً وعوناً وحاميا
محاسنَ ظنٍّ جَمّةً وأمانيا
بفضلِك يا ذا الفضل ما كان راجيا